Newsletter

.
    Name
  
    Email
  
.
  
 

Catholic Church

 
 
  Advertisements
.

 

 
News
 

إسفنج البترون الذي انقرض!
(Aljoumhouria)

 

حكاية البترون مع البحر حكاية "أسطوريّة" لا تشبه أيّ حكاية أخرى.. وقصّة صيد الإسفنج التي تعود إلى العام 1842 لا تزال تنبض في قلوب البحّارة "القدامى" الذين لم يأبهوا يوما لتوقف نبضات قلوبهم بحثا عن الإسفنج في قعر البحر، هذا الإسفنج الذي أمسى اليوم من الذكريات الجميلة، والقاسية كذلك، خصوصا بعد المرحلة الذهبية التي عاشها الصيّادون البترونيّون من العام 1946 حتى العام 1951.

ومع أنّ عملية الغطس كانت ممتعة، كما يصفها توفيق عسّال الذي ورث مهنة وهواية صيد الإسفنج من والده، الذي كان أحد أهمّ صيّادي الإسفنج في البترون، إلّا أنها كانت خطرة وقد عرّضت الكثيرين للموت أو للشلل الكلّي.

وبقدر ما كان الإسفنج رائجا ومنتشرا، خصوصا في العام 1946، بقدر ما بات اليوم نادرا، لا بل منقرضا، نتيجة السموم التي كانت تُرمى في البحر، والتي أدّت إلى خيبة أمل كبيرة ما زال يعيشها الصيّاد البتروني حتى اليوم. ولم يبقَ من الإسفنج هذه الأيّام سوى بعض القطع النادرة التي تزيّن معظم المنازل البترونية القاطنة قرب البحر ..والتي تحوّلت إلى منازل شبيهة بالمتاحف البحريّة المليئة بالثروات المختلفة الأشكال والأحجام والألوان.

صيد الإسفنج

كان سميح زخريّا، أوّل من اهتمّ باصطياد الغطّاسين والإسفنج في البترون منتصف القرن الماضي، وكان المسوّق الأوّل له في الأربعينات، حين زار البترون تجّار من اليونان بهدف تسويق الإسفنج ذي الربح الوفير.

وعليه لعب الرئيس كميل شمعون، الذي كان سفيرا للبنان في بريطانيا آنذاك دورا بارزا حين تمكّن من تأمين "القازان" للصيّادين، الذي يخلّص الغطّاس من الموت والشلل في حال تعرّضه لأيّ حادث، ويساعده بالتالي في الغوص إلى الأعماق. ويقال إنّ فارس عيسى كان أوّل غطّاس في البترون ارتدى بذلة مخصّصة للغطس مصنوعة من المعادن، وهكذا بدأت الحكاية.

ويقول أحد الصيّادين المحترفين إنّ عملية الغطس لم تكن سهلة على الإطلاق، فالبعض لم يكن يحتمل "الغرفة" أو"القازان "المخصّص للصيّادين..لذا، كانت النتيجة إمّا الشلل أو الموت، إلّا أنّهم كانوا يعيدون الكرّة باستمرار لأنّ متعة الوصول إلى الإسفنج كانت تضاهي فرح الحصول عليه، فالاستفادة منه واستثماره!

لكنّ الإسفنج انقرض اليوم (يتابع)، لأنّ التلوّث المرتفع في البحر تغلّب عليه نهائيّا.

لماذا تهافتت دول العالم للحصول على الإسفنج؟

يقول أحد الصيّادين في البترون إنّ الأميركيّين كانوا يستعملون الإسفنج في العمليّات الجراحيّة، حيث كان يزيل كلّ آثار الدماء ومنهم من يقول إنّه كان يستعمل للتنظيف في غالبيّة دول العالم. وفي كلّ الأحوال، لم تكن مسألة الحصول على الإسفنج بالأمر السهل، فكان العناء كبيرا، والحوادث كانت كثيرة، خصوصا في الضربات المائيّة التي كانت تنجم عن الصعود السريع للمياه، حيث كان يشعر الغطّاس عند الصعود من قعر البحر بعدم القدرة على السير، خصوصا أنّ التوجيه لم يكن موجودا، إلّا أنّه تمّ تزويد الغطّاسين فيما بعد بمراجع تقدّم شرحا وافيا حول سبل التدريب على الغطس.

تشييد أعرق كنيستين في البترون بإرادة وتصميم البحّارة:

يبدأ موسم الغطس من منتصف شهر أيّار، حتى آخر شهر أيلول. وهديّة السلامة بعد عودة الغطّاس ندر لبناء كنيستَي مار اسطفان و سيدة البحر اللتين تمّ تشييدهما بفضل تصميم وإرادة البحّارة في البترون.

وعن تاريخ صيد الإسفنج يقول عسّال: "يعود تاريخ صيد الإسفنج في البترون إلى ما قبل العام 1830، ويقال إنّ الأروام (اليونانيين) أو أهل أرواد هم الذين علّموا بحّارة البترون الغطس على البلاطة التي يبلغ طولها 30 سنتم وعرضها 20 سنتم وسماكتها 6 سنتم وهي مثقوبة عند أحد أطرافها تزيّنها رسوم الصلبان، ويغطس الصيّادون بواسطتها إلى عمق أربع أو خمس قامات، وقد يصلون أحيانا إلى عمق 15 قامة. (القامة تساوي 178 سنتم)

وكانت فرق الصيد قديما، كما يقول عسّال، تتألف من باخرة كبيرة تواكبها أربعة مراكب صغيرة مخصّصة لتحميل ما يقطف في يوم واحد. وكانت السلطنة العثمانية تستوفي من الغطّاسين عُشر الموسم كضريبة، لكن المتصرّف رستم باشا الذي زار البترون مرّات عدة، ركب مع الصيادين ورأى ما يكابدونه من مشقّات، فاستبدل الضريبة برسم سنويّ مقطوع يدفع عن كلّ سفينة. وبلغ صيد الإسفنج في العام 1842 من الصنف الأوّل 1200 كيلوغرام، ومن الصنف الثاني 1600 كيلوغرام، ومن الصنف الثالث 1200 كيلوغرام، فيصبح المجموع 4000 كيلوغرام، يقدّر ثمنها بـ 192000 قرش في تلك المرحلة.

في العام 1892 غمرت الطحالب أعماق البحر، فتوقف صيد الإسفنج لمدة سبع سنوات، وتعطّلت أعمال 60 قاربا.

وفي العام 1938 طالب قائمقام البترون فائز العماد في تقرير رفعه إلى الحكومة بإحياء قطف الإسفنج الذي احتكر اليونانيون صيده معتمدين بذلك على حماية الانتداب الفرنسي لهم. وهكذا عاد الموسم إلى الازدهار مجدّدا ابتداء من العام 1939.

في العام 1950، دخل سميح زخريّا ميدان صيد الإسفنج، وباع الإسفنج المقطوف أوّلا في سوقي النورية وأبو النصر في بيروت، ثمّ عرضت إحدى الشركات الأميركيّة رغبتها في شراء الإسفنج اللبناني.

وقد شمل نشاط الغطّاسين البترونيين الشاطىء اللبناني بأسره الذي تعرّفوا إليه جيّدا، لكن الإسفنج عرف بشكل خاص قبالة شواطىء مدينة البترون ومدينة سلعاتا (وتحديدا رأس سلعاتا) الذي تكثر فيه التيّارات.

وفي العام 1991 قضت جرثومة مجهولة المنشأ خلال أسبوع على موسم الإسفنج بأكمله، فتوقف القطاف نهائيّا من الشاطىء وحتى عمق ثلاثين قامة. وكان قد وصل ثمن الكيلوغرام الواحد منه في العام 1994 إلى مئة دولار، "ثمن الإسفنج كان مرتفعا، يختم عسّال، وهو يساوي اليوم ربّما ثمن الذهب، خصوصا أنّه لم يعد موجودا".

حكاية صيد الإسفنج، عميقة وعريقة ترتبط ارتباط البترونيّين بالبحر... تنتهي الحكاية هنا، لكنّ قصة البترون مع البحر... لا تنتهي
!